عبد الملك الثعالبي النيسابوري

55

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

وقوله من رسالة يصف فيها الحلوى : وما أرّقني إلا ليلة أضحيانة دخلت فيها الجامع ، ووقفت موقف الساجد والراكع ، حتى إذا قضيت من حق اللّه أمرا ، وأتبعت الشفع وترا « 1 » . جلت في أكنافه ، وانعطفت في أعطافه ، فإذا أرضه تباهي السماء ، وغبراؤه تضاهي الخضراء ، زجاجة نورية ، كأنها الكواكب الدرية . ورعد قراء للّه تعالى وخيرته ، كالرعد يسبح بحمده والملائكة من خيفته . فصحت وا ويلاه ، وأحر قلباه . أين منك المفر ، وأين دونك المقر . لاها اللّه لا يتركك كريم ، ولا يقلاك إلا لئيم ، بركا كبرك الجمال ، وثباتا كثبات الجبال . ثم خرجت في تتمة من الأصحاب ، وثبة من الأتراب « 2 » ، وفيهم فقيه كان ذا لقم ولم أشعر به ، فلما طالعتنا الحلوى صاح : هذا وأبيكم الروض ، فناديته اسكت فضحتنا لا أبالك . فقال : لا وأبيك ، قلت : مالك وما تريد ، قال : ذلك الشهيد العتيد ، واضطرب به الألم واستخفه الشره فدار في ثيابه ، وأسال من لعابه ، وأزور جانبه ، وخفق شاربه ، ثم نهض في كر ، وصدر بحر ، ونظر إلى الفالوذج ، فصاح هذا اللص كأنه تألى مجاجة « 3 » الزنابير ، حدثت على شوابير ، وخالطها لباب الحبة ، فجاءت أطيب من ريق الأحبة ، ثم نظر إلى الخبيص « 4 » ، فصاح بأبي الغالي الرخيص ، أنظر فيه ذا التماع ، أكرم به من شعاع . هذا جليد سماء الرحمة ، تمخضت به فأبرزت منه زبد النعمة ، تجرحه اللحظة ، وتدميه اللفظة ، بماء أبيض ؟ قالوا : بماء البيض البض ، فقال : غض من غض . أنظروه له إشراق ، هذا وأبيكم بقية العشاق . ما أطيب خلوة الحبيب ، لولا حضرة الرقيب . ثم نظر إلى الزلابية . فصاح ويل لأمه الزانية ،

--> ( 1 ) الشفع : المزدوج ، والوتر : المفرد . ( 2 ) الثبّة : الجماعة . ( 3 ) المجاجة : ما يقذفه الإنسان من فمه ، ومجاجة الشيء عصارته . ( 4 ) الخبيص : حلواء تتخذ من تمر وسمن .